تاريخ فلاسفة الإسلام
ترجع فكرة تأليف هذا الكتاب إلى نحو عشرين عامًا مضت، منذ كنتُ أتلقَّى العلم في مدرسة ليون الجامعة، وفي تلك المدينة الجميلة المطمئنة، دونت أوائل تلك الفصول، في سائر أسفاري بين ليون وجنيف ولندن وفيرنزة « الكراسات » وقد صحبتني الأماني و(فلورنسا)، ومرت علينا معًا فترة الحرب العصيبة وأنا في صحبة هؤلاء الفلاسفة الاثنى عشر، ننهض تارة ونرجو رؤية النور والضياء، وطورًا نرقد في مثار النقع نسمع صدى صوت المدافع في الفضاء، إلى أن شاءت الأقدار أن يلبس هؤلاء الحكماء المتقدمون ثياب الظهور في عالم الوجود المادي، فلم أشأ أن أطيل حبسهم، فأسلمت بيدي تلك الأوراق، دقيقة الجسم، ضخمة البخار، وهكذا برز إلى « معتَّقة صفراء » التي أصبحت في نظري عالم البعث والنشور اثنا عشر فيلسوفًا من المشارقة والمغاربة، وقد تدثَّر كلٌّ بالقباء أو المرقعة أو المسوح أو الدراعة أو الجبة التي تليق به لدى مثوله بين أيدي قراء هذا الزمان. فإلى الأمام أيها السادة الحكماء! ولا تعتبوا على هذا الضعيف، الذي ألجأكم إلى الخروج من كهف الماضي السحيق، ودعاكم إلى الظهور بعد الخفاء في عالم الهدوء والسكون إلى عالم الجلبة والضوضاء، فإن معظم أهل هذا الزمان لم يَشْرفُوا بمعرفتكم، وسوف تقع أسماؤكم وألقابكم وكُناكم من أسماعهم وَقْعَ الشيء الجديد الغريب، وسوف يجادلون في حقيقة وجودكم، وفي قيمة أفكاركم، وينكرون عليكم آراءكم التي بيضتم سواد ليالي أعماركم في تصورها وتحويرها، وتهذيبها وتحريرها، وسوف يمر البعضبكم متعجبًا من هؤلاء الفلاسفة المتقدمين الذين عاشوا وتأمَّلوا وفسَّروا الكون، وعلَّلوا الحوادث قبلَ كانتْ، ونيتْشَهْ، وشوبنهور، وسبنسر، وستوارت ميل، وأوجست كونت، ورينان، ولن يخطر ببال هؤلاء القراء المتعجبين أنه لولاكم،
قد يعجبك أيضًا
المزيد