فصول في الأدب والنقد
يقال إن التفكير ظاهرة اجتماعية لا فردية، بمعنى أن الفرد لا يفكر ولا يقدِّر ولا يروِّي إلا من حيث هو عضو من أعضاء الجماعة التي يعيش فيها، والتي يستحضرها في نفسه استحضارًا ملحوظًا أو غير ملحوظ حين يفكر أو يقدر أو يروي. ولولا أنه يلحظ أمثاله ونظراءه الذين سيظهرون على خواطره وآرائه لَما فكَّر ولا قدر ولا روَّى. ومعنى ذلك أن هذا الإنسان الفرد الذي ينشأ في جزيرة نائية مقطوعة الصلة بحياة الناس، أو يضطر إليها قبل أن يتم نضجه العقلي فيعيش فيها مفكرًا ومروِّيًا متدبرًا، ثم يستكشف حقائق الأشياء وأصول التفكير والمنطق، هذا الإنسان صورة من صور الأساطير لم يوجد ولم يُعرف، وليس من اليسير أن يُوجَد أو يُعرف. ويقال إن مصدر هذا أن التفكير أثرٌ من آثار اللغة، ومظهر من مظاهرها، لا سبيل إلى أن يوجد بدونها؛ لأن الخواطر والآراء مهما تكن لا تستطيع أن تخطر للنفسأو تُلابِسَها أو تستقر فيها إلا إذا اتخذت لها من الألفاظ صورًا وأزياء تمنحها الوجود، وتمكِّنها من الخطور على البال، والاستقرار في الضمير والخضوع لما تخضع له الخواطر في النفس المفكرة من التواصل والتقاطع، ومن التقارب والتباعد، ومن الائتلاف والافتراق.
قد يعجبك أيضًا
المزيد